بيان رابع من الزعيم إلى الشعب اللبناني

أيها الشعب اللبناني،

منذ إصداري بياني الثاني إليك مرّت الأيام مرًّا سريعاً. فقد كلّفت الحكومة القضاء ملاحقتي لغير سبب حقيقي إلا رغبتها في عرقلة عملي القومي والسياسي الذي لم أتوخَّ منه سوى إنقاذك من فساد الإدارة وطغيان التكالب على الحكم والفوضى والانهيار الاقتصادي والانحطاط المناقبي والأخلاقي وخطر الإرادات الأجنبية التي لا يزال حلفاؤها بالأمس حلفاءها اليوم. وسارت الحكومة نحو جمع أنصارها من الطامعين في الحكم والموافقين لها على احتكار منافع الدولة احتكاراً شخصيًّا وعائليًّا. وقام الذين أبقتهم الحكومة خارج لوائحها بتشكيل لوائح أخرى تجمع كل واحدة منها عدداً من الطامعين في الحكم، فكانت مهزلة المساومات.

تجاه جميع المساومات والمناورات التي جرت فيما بين أشخاص الحكومة وعدد من النفعيين والرجعيين وفيما بين عدد كبير من هؤلاء منفصلين عن الحكومة وأعضائها، قررت أن يقف الحزب القومي موقف المراقب لتطورات الحالة السياسية، وفي ظرف معيّن من ظروف التطورات المذكورة أعلنت أنّ الحزب القومي مستعد لتنظيم لائحة معارضة على أساس مبادئه ومناهجه الإصلاحية، ولكن أكثر العاملين السياسيين والمرشحين للنيابة يقومون على منافع شخصية وليس على مبادئ قومية أو عمومية من أي نوع، فطغت المنافع الشخصية على جميع الاعتبارات القومية والاجتماعية – السياسية ولم يمكن تشكيل لائحة انتخابية على أساس مبادئ ومنهاج. فكان أخيراً أنّ الحزب بقي عاملاً بانفراد في جميع محافظات الجمهورية اللبنانية إلى أن تقرّب إليه، في محافظة جبل لبنان، الأشخاص الذين رغبوا في تشكيل لائحة مشتركة بين الحزب القومي وعدد من الدستوريين الذين لم يدخلوا في اللائحة الحكومية الأولى المسماة “ائتلافية” وغيرهم، فقبل الحزب القومي الاشتراك في تشكيل هذه اللائحة. أما في بقية المحافظات فقد بقي الحزب منفرداً.

كانت الفوضى عظيمة والعملية الانتخابية آخذة في التحوّل إلى معترك تكتلات منافع خصوصية بين الكتلات الحكومية والكتلات الخارجة عن الحكم، وفي هذه الفوضى واعتراك الخصوصيات والمطامع الفردية لم أجد ما يدعو إلى تعليق أهمية كبيرة على الانتخابات ونتائجها. وكان مفروغاً أنّ الحكومة ستتدخل في الانتخابات وأنها بدأت تدخلها من ساعة تأليفها، ومن أظهر أدلة تدخّلها تكليفها دائرة الأمن العام ملاحقتي لِتأمَن عملي الإنقاذي، وتعطيلها جريدة النهضة واسطة الإشعاع القومي الاجتماعي في الشعب. بهذه الفوضى والبلبلة وتطاحن المنافع الشخصية تقدمت الكتل والمشكلات الانتهازية إلى الانتخابات، فكانت مأساة الانتخابات.

وطبيعي جدًّا ألا يكون لمهزلة المساومات تلك، من نتيجة، غير مأساة الانتخابات هذه!

لم تفاجئني حوادث التزوير والضغط فقد كنت أتوقعها، وقد تنبأت بها قبل وقوعها، وأذعت ما توقعته في تصريحات وأحاديث صحفية عديدة. وقد أظهرت ببياناتي وخطبي وأحاديثي سُوء حالة الشعب اللبناني، ودعوتك أيها الشعب العزيز إلى الالتفاف حول النهضة القومية الاجتماعية لتدارك الأمر وإنقاذك قبل فوات الآوان، ولكن السادرين في اهوائهم لم يكترثوا لنداءاتي المتكررة وركبوا رؤوسهم على منافعهم واستغنوا عن القضية القومية العامة وعن الحزب القومي الاجتماعي وعللوا أنفسهم وعللوك بالمحال فجاءتهم الخيبة والخذلان يوم الانتخابات. فهالهم الأمر واستعظموا الخسارة وودوا لو يقدرون على قلب الأمور وعكس المجاري، ولكن أنّى لهم ذلك، وهم لا قضية ولا عقيدة لهم تجمعهم على أمر عام، فأدركوا أن لا طاقة لهم على تغيير مجرى الحوادث فصاحوا صيحات الألم والعجز وتلفتوا ذات اليمين وذات اليسار علّهم يجدون مخرجاً من المأزق الذي زجوا أنفسهم فيه، فلم يجدوا غير الحزب القومي الاجتماعي منظمة قومية، متينة، عامة، في صفوفها العقيدة الاجتماعية الراسخة وفي قيادتها العزم، فوقفوا للقوميين الاجتماعيين في الطرقات يولولون ويسألون: على ماذا عوّل حزبكم؟ أنتم أصحاب القوة الحقيقية المنظمة التي تستطيع القيام بما لا يقدر عليه غيرها فلماذا لا تثورون وتظهرون للشعب ما تقدرون أن تفعلوا في سبيله؟

ما أشد غباوة أولئك الصاخبين، الناحبين، الزامرين!

إنّ الذين يحبون أكل الكستناء المشوية عليهم أن يخرجوا الكستناء من النار بأيديهم، فليس الحزب القومي الاجتماعي مطيّة لأهواء أحد من الناس!

إن للحزب القومي الاجتماعي قضية مقدسة قد وقف عليها أعضاؤه كل وجودهم، لأن فيها وجودهم ولا وجود لهم إلا بها ومن أجلها. إنها قضية الأمة وخيرها وحياتها ومصيرها. ولقد دعونا الناس إلى التكاتف معنا وإلى نفي الأهواء والمآرب الشخصية ومؤازرة النهضة القومية الاجتماعية التي لا استقلال صحيح ولا عزّ ولا سيادة قومية إلا بتحقيق غايتها والعمل بتعاليمها، فما كان من أصحاب المنافع الشخصية والأغراض الخصوصية إلا الإعراض والالتفاف على أهوائهم، فوقفت أهواء أصحاب الحكم في وجه أهوائهم، فإذا البلاد اليوم معترك عظيم للأهواء الجامحة والمطامع المتأججة.

إنّ الانتخابات النيابية الأولى في “عهد الاستقلال” كانت هزلاً فاجعاً وبلية مضحكة! – بلية في المساومات والاتفاقات وفي اقتناص أصحاب الأهواء بعضهم بعضاً – بلية في أهواء الموجودين في الحكم الذين ركبوا رؤوسهم على خدمة منافعهم قبل كل شيء – بلية في الخيانات والاحتيالات – بلية في التزوير والإرهاب وهضم حقوق الشعب!

إنّ شعباً يتساهل في مبادئ الحرية واسس الاستقلال والسيادة لا يمكنه أن ينتظر، يوم انتخاباته النيابية، غير بلية الحرية والاستقلال!

إنك قد تساهلت، أيها الشعب اللبناني، حين قبلت أن يلاحق زعيم النهضة القومية الاجتماعية، من أجل خطاب قال فيه، إنّ الكيان اللبناني هو “نطاق ضمانة للفكر القومي ولانطلاق هذا الفكر، فتركت الحكومة تتعسف وتمتهن حرية الفكر والقول، بينما أحد أعضائها لا يفتأ يتبجح “بالمبادئ التقدمية” التي يجب أن تسود الحكم. وقد تساهلت حين رأيت الحكومة تعطّل صحيفة تحمل أفكار الحركة القومية الاجتماعية لغير سبب واضح ولم تُحرّك ساكناً فتركت الحكومة تمعن في تأخير وعيك القومي وعرقلة نشاط الحركة القومية الاجتماعية العاملة على إنقاذك وعلى تأمين المصير الجيد الذي تريد أن تقودك إليه.

الحق بذلك ليس عليك، أيها الشعب النبيل، بل على ممتهني السياسة منك الذين يضعون الستائر بينك وبين الحقيقة. الحق على نواب أصنام لا يرون غير أنانياتهم ومنافعهم. الحق على رجال حكم يجعلون من أهوائهم قانوناً لتسيير شؤون الدولة الحق على طامعين في النيابة والحكم يريديون بلوغ مآربهم بإسقاط رجال الحكم الحاضرين ليحلّوا محلهم ويقيموا أهواءهم مقام أهوائهم. الحق على فئات حكومية ومخاصمة للحكومة تريد أن تضحّي مصالحك الحقيقية وخيرك على مذبح غاياتها وخصوصياتها!

أيها الشعب اللبناني،

إنّ الساعة لعصيبة، وإنّ الفوضى لعظيمة، وإنّ الإنقاذ ممكن ولكنه يتوقف على مقدار رغبتك في الإنقاذ.

لا يخدعنك الباطل! فالإنقاذ لا يكون بسقوط نفعيين ورفع نفعيين ورجعيين آخرين إلى الحكم.

الإنقاذ يكون بتنحّي النفعيين والرجعيين القائمين في الحكم، وخذل النفعيين والرجعيين الطامعين في الحكم على السواء وبإخضاع الأهواء الجامحة والغايات الحقيرة لمصلحة الأمة وحياة الشعب!

الإنقاذ يكون بترك الانتهازيين والتشكيلات الببغائية الانتهازية ذات القضايا الزائفة بالانضمام إلى حركة الإنقاذ الصحيح – إلى حركة النهضة القومية الاجتماعية المعبّرة عن معنى وجودك وغاية حياتك وإرادتك ومصالحك الحقيقية.

الإنقاذ لا يكون بنصرة فئة رجعية على فئة رجعية أخرى، بل بشق طريق الحياة القومية الاجتماعية الصحيحة والسير نحو المجد.

أيها الشعب اللبناني،

إنّ المسألة أعمق كثيراً من أن تكون مجرّد مسألة انتخابية يغضب فيها أشخاص فيعمدون إلى تهييجك، ويفرح بنتائجها أشخاص فيعملون على تسكين جأشك.

إنّ القضية قضية إنقاذك من براثن النفعيات وتحريرك من عوام الرجعة والسير بك في طريق المجد القومي.

نال الحزب القومي من التزوير ما لم ينل فئة أخرى في البلاد، ففي محافظة جبل لبنان أعطى الحزب القومي ومناصروه لأفراد لائحته ما يزيد على ثلاثين الف صوت. وقد أثبت الفرز هذه النتيجة لبعض أفراد اللائحة الذين لم تشأ المراجع الحكومية إسقاطهم ولكن مرشحي الحزب أنفسهم لم ينالوا أكثر من أحد عشر ألفاً ونيف!

هكذا شاء تزوير الأصوات وتزوير فرز الأصوات. وقس على ذلك ما جرى في بقية المناطق.

ولكن الحزب القومي الاجتماعي لا يرى أنّ مسألة الانتخابات هي القضية الأساسية، بل يرى أنّ القضية هي قضية مبادئ. فإما أن تنتصر مبادئ الحياة القومية الاجتماعية وتنتصر بها حريتك الحقيقية، أيها الشعب، وسيادتك الصحيحة، وإما أن تنتصر مبادئ الرجعة والحياة الإقطاعية، الطائفية، وينتصر بها ذلك وشقاؤك وعبوديتك لورثة الاستعباد الأجنبي وحلفائه!

أيها الشعب اللبناني،

إنّ الحزب القومي يعلن أنّ الانتخابات العامة التي جرت يوم 25 مايو/أيار الحاضر، هي انتخابات باطلة لا قيمة صحيحة لنتائجها لثبوت التزييف لك، وإنّ كل هيئة تنبثق عنها لا صلاحية لها لتمثيل إرادتك.

وإني أعلن لك أنّ جميع محاولات رجال الحكم لترقيع التزييف والتزوير وحصر التحقيق في ما يفيدهم ويضرّ خصومهم هي محاولات خرقاء يقصد منها إلباس الباطل لباس الحق.

أيها الشعب اللبناني،

إنّ الساعة لعصيبة، وإنّ الفوضى لعظيمة!

في هذه الساعة يكثر الذين يريدون أن يستغلوا غضبتك للحق ولكرامتك وأن يحوّلوها لمنفعتهم. فاتّقِ المستغلين، أصحاب البطولة الوهمية!

إتّقِ المشكلات المحاكية التي نشأت بإرادات أجنبية وبدوافع خصوصية لتضلّك عن طريق النهضة القومية الاجتماعية التي فيها مصالحك وفيها عزك ومجدك.

أيها الشعب اللبناني،

إني لا أتبنى نحيب أصحاب المطامع الشخصية الخائبة ولا زمير الرازحون تحت أعباء أهوائهم.

إني أقف نفسي في سبيل حياتك وإرادتك وحقك وخيرك.

إن قد أيقظتك لحقيقتك، وإني أنتظر نداءك،

آمن بالحق وانصر الحق تفز بالمجد!

مقر الزعيم في 30 مايو/أيار 1947

أنطون سعاده

نشرة عمدة الإذاعة، بيروت،
المجلد 3، العدد 1، 30/6/1947

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
الموقع قيد التّطوير