تصحيح الأجور: سيف ذو حدّين بانتظار انقشاع الرّؤية الاقتصاديّة

عميد الاقتصاد الرّفيق فادي قانصو

إنّ تصحيح الأجور في هذه المرحلة الحرِجة الّتي نمرّ بها هو سيف ذو حدّين. فمن النّاحية الاجتماعيّة، هو بلا أدنى شكّ مطلب اجتماعيّ محقّ لاسيّما وأنّ الأجور المقيَّمة باللّيرة اللّبنانيّة باتت قيمتها الشّرائيّة اليوم شبه منعدمة بالنّسبة لشريحة واسعة جدّاً من موظّفي القطاع العام. أمّا من النّاحية الاقتصاديّة، علميّاً وتقنيّاً، فإنّ أيٌ قرار غير مدروس لناحية تصحيح الأجور في ظلّ ركود تضخّميّ حادّ وعجلة إنتاجيّة انكماشيّة للاقتصاد الوطني وخاصّةً في سياق اتّفاق أوّليّ على تصحيح الأجور بحدود راتب إضافيّ في المرحلة الأولى على أن يتضاعف في المرحلة الثّانية بعد إقرار الموازنة، يحمل في طيّاته ضخّ كتلة نقديّة ضخمة باللّيرة، وعلى الحكومة العمل فوراً على الحدّ من طباعتها لتمويل احتياجات الدّولة اللّبنانيّة، والعمل على تأمين الإيرادات العامّة إمّا من خلال تفعيل جباية الضّرائب غير المُجباة، أي مكافحة التّهرّب الضّريبي، أو من خلال تعديل سعر صرف الدّولار الضّريبي، كالدّولار الجمركي على سبيل المثال، وإن تُعتَبر هذه الإجراءات غير محبّذة لا اقتصاديّاً ولا اجتماعيّاً في الوقت الرّاهن، لاسيّما في ظلّ ركود اقتصادي حادّ وتدهور في المستوى المعيشي للبنانيّين، وبالتّالي فقد تلجأ الدّولة هنا إلى رفع الأجور بيدٍ وسحب الضّرائب بيدٍ أخرى، ولكن «وجع يوم ولا وجع كل يوم»، إذ أنّ هكذا إجراءات قد تكون مؤلِمة على المدى القصير غير أنّ ألمها يبقى أفضل بكثير من ألم الاستمرار في دوّامة طباعة الأموال وانهيار سعر الصّرف على المدى المتوسّط والطّويل، فعلينا كسر هذه الحلقة بشتّى الطّرق وإلاّ فلا مفرّ من الارتطام القاسي الّذي قد تمتدّ مفاعليه المؤلِمة لسنوات طويلة.

أمّا في حال صُحّحت الأجور دون تأمين التّمويل اللّازم، وهو أمر غير مستبعد نظراً للتّجارب السّابقة لا سيّما سلسلة الرّتب والرّواتب، فإنّ كلّ راتب إضافي يتطلّب ضخّ كتلة نقديّة باللّيرة تقدّر بحوالي 800 مليار ليرة شهريّاً لتضاف إلى كتلة نقديّة باللّيرة قاربت الـ60 ألف مليار ليرة، وبالتّالي فإنّ الحديث عن زيادات بحدود راتبين إلى ثلاثة من دون توفّر التّمويل، من شأنه أن يكون له تداعيات تضخّميّة ملموسة قد تنعكس ضغوطاً إضافية على سعر الصّرف وعلى أسعار السّلع في وقت بلغت فيه نسبة التّضخّم التّراكميّة منذ العام 2018 حوالي 600%، وبالتّالي فإنّ مفاعيل تصحيح الأجور المرجوّة قد تذهب حينها في مهبّ الرّيح. من هنا، وفي حال لم يتوفّر التّمويل اللّازم لتصحيح الأجور، فسنكون هنا أمام معضِلة حقيقيّة قد تَفرُض على السّلطات التّرقّب والتّريّث لحين إرساء خطّة إصلاحيّة وإطلاق عجلة الإصلاحات الهيكليّة المطلوبة لتفعيل العجلة الاقتصاديّة.

إلى حينه، ينبغي على الدّولة اللّبنانيّة البحث عن خطط دعم بديلة من خلال تفعيل المساعدات الاجتماعيّة بمعدّل راتب إضافي «مقدور عليه» وفق مصادر مصرف لبنان، بانتظار انقشاع الرّؤية أمام مشروع فعّال لتصحيح الأجور يحمل في طيّاته جدوى اجتماعيّة في الدّرجة الأولى. مع الإشارة هنا إلى أنّ ما تمّ إقراره سابقاً من تعديل في بدل النّقل أو من مساعدة اجتماعيّة طارئة بما يوازي راتب اضافي، حمل في طيّاته ضخ كتلة نقديّة باللّيرة تقدّر بحوالي 4,500 مليار ليرة سنويّاً، وهي كلفة رفع بدل النّقل من 8,000 ليرة إلى 65,000 لحوالي 300 ألف موظّف في القطاع العام، في وقت يحتاج كل راتب إضافي إلى ضخّ 800 مليار ليرة شهريّاً، والمحتسبة على أساس كلفة أجور وتعويضات تبلغ 9,500 مليار ليرة سنويّاً.

من هنا، فإنّ ما ينتظر لبنان في المدى المنظور لا يبدو مُطمئنّاً، خاصّة في ظلّ فراغ حكوميّ قد يبدو محتملاً في النّصف الثّاني من العام وقد يليه فراغ رئاسي في مرحلة لاحقة في ظلّ الانقسام العاموديّ الحادّ المتجلّي في مجلس النّوّاب، وهو ما سيكون بمثابة انتحار جماعي ويحمل في طيّاته آفاق سوداويّة في ما يخصّ سعر صرف الدّولار. عليه، فإنّ الخرق الأساسي والأوحد يبقى رهن تشكيل حكومة بشكل سريع وتفعيل عملها بشكل منتِج لمواكبة عمليّة إطلاق برنامج إنقاذ شامل من أجل إعطاء صُدقيّة للمساعي الإصلاحيّة المطروحة، وإلاّ فإنّ لهيب الاستحقاقات الاقتصاديّة الماثلة أمامنا فور انتهاء موسم الصّيف وعودة المغتربين والسّيّاح إلى بلادهم قد يرفع من حرارة فصل الخريف فور دخولنا في شهر أيلول المقبل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى