سورية والسّوريّون


رئيس النّدوة الثّقافيّة الأمين إدمون ملحم

صدر مؤخّراً عن دار أبعاد للطّباعة والنّشر في بيروت كتاب جديد للدّكتور عادل بشارة بعنوان «سورية والسّوريّون» وهو ترجمة لكتاب له بالإنكليزيّة صدر عن دار الفينيق – ملبورن عام 2013 بعنوان «Syria and the Syrians».

ومن المعروف أنّ بشارة الحائز على الدّكتوراه في التّاريخ السّياسيّ من جامعة ملبورن عام 2002، عمل أستاذًا في الجامعة نفسها منذ العام 2003 في مادّة التّاريخ المعاصر وألّفَ ونشرَ ما لا يقلُّ عن خمسة عشر كتابًا، معظمُها عن سعاده والقوميّة السّوريّة وروّادِ النّهضة. إضافةً إلى ذلك، نشرَ الدّكتور بشارة مجلّات عدّة، باللّغة الإنجليزيّة، كان آخرها مجلّة المشرق صدر منها أربعون عددًا.

الكتاب الجديد قيّمٌ بمحتوياته الّتي تضمٌّ مقدّمة مطوّلة للمؤلِّف، تُوجِز مكانة سورية في التّاريخ وما قدّمته للإنسانيّة من إسهامات حضاريّة، وسبعة وعشرون دراسة هي عبارة عن نصوص تاريخيّة دوّنها مجموعةٌ من الباحثين والمؤرّخين واللّاهوتيّين وعلماءِ الآثارِ وغيرهم من الكتّاب ذوي خلفيّات ثقافيّة متنوّعة وجنسيّات مختلفة، وتضمّن الكتاب الواقع في «432» صفحة من القطع المتوسّط، نبذات مختصرة عن المساهمين في الكتاب بالإضافة إلى خاتمة للمؤلّف.

هذه المحتوياتُ تشكّل بمجملِها تاريخاً موجزاً لشعبٍ حقيقيٍّ طموح، ولأرضٍ حقيقيّةٍ، ثريّةٍ، متميّزة بخصوبتها وجمالها ومناخِها وآثارها الغنيّة، وبرفعة موقعها الجغرافيِّ الاستراتيجيّ بينَ الشّرق والغرب. هي أرضُ الخيرِ والورودِ والشّمس المُشرقة، أرضُ السّهول الواسعة والبساتين المزروعة بالزّيتون والكَرمةِ والقمح، أرضُ الأنهار والوُديان العميقة الدّافَّقة بالمياه والجبال الّتي تحملُ الشّتاء على رؤوسِها الشّامخة بين الغيوم، والرّبيع على أكتافِها، والخريف حول نهودِها، أمّا الصّيف فينام على أقدامها.

هذه الأرض الّتي تسبِقُ التّاريخَ الجليَّ بآلافِ السّنين والّتي كانت تتمتّع بثروة هائلة ومياه وافرة ومنتجات أصليّة ومدن غنيّة وموانئَ مزدهرة، والّتي وصفتها الكاتبة مارغريت ماكغيلفري «Margaret McGilvary» بأنّها تُحفةٌ في متحفِ الزّمن. هذه الأرضُ هي سورية الطّبيعيّة مهدُ المعرفة والحضارة والدّيانات، هي سورية الغارقةُ في التّاريخ الّتي كانت مثالاً في الإبداعِ والعطاءِ والتّجارةِ وتأسيسِ المستعمرات، والّتي انبثقت منها أعظم الإنجازات والابتكارات الحضاريّة والإسهامات الرّوحيّة والفكريّة وأقدم الحروفِ الأبجديّة المكتوبة في العالم.

كتاب «سورية والسوريون» هو قصّةٌ ملحميّة لهذا الشّعب المبدع ولهذه البقعة الجغرافيّة الفريدة. بيدَ أنّها قصّةٌ واقعيّةٌ، غنيّةٌ وجذّابة، وتستندُ إلى أدلّةٍ ومكتشفاتٍ وبراهين، هي قصّةُ تاريخٍ حافلٍ بالأفعال والأحداث والتّضحياتِ والآلام والتّحولّاتِ الكبيرةِ والتّفاعل الثّقافيّ. تاريخُ شعبٍ ينبضُ بالحياة. شعبٌ فتحَ كنوزَ العلم والفلسفة وقدَّم هباتٍ للبشريّةِ في أكثرِ من مجال.

وهذا الكتاب يعود بنا إلى عالمٍ جماليّ، إلى سورية في عصورها الذّهبيّة، إلى شخصيّاتها التّاريخيّة العظيمة، إلى لغاتها ومعتقداتِها وأديانها وآلهتها، وإلى مدنها التّاريخيّة المُحِبَّةِ للحريّة. كما يعودُ إلى عصورِها السّوداء، إلى الغُزاة الفاتحين والاحتلالات في مختلف المراحل والتّأثيرات الخارجيّة فيها.

والدّكتور عادل بشارة الّذي يكرّس كتابة «لسورية والسّوريّين الزّاخرين بكلّ حقّ وخير وجمال»، يدُقُّ ناقوس الخطر لما يتوقَّعه لمصير سورية والسّوريّين ولمستقبلهم غيرِ المؤكّد، ويعتبِرُ أنَّ لا إنقاذ لسورية الضّعيفة من انقراضٍ وشيكٍ ومن تآكلٍ لإسمها وهويّتها إلاّ إذا عُدْنا إلى ماضينا وجذورنا، وتعرَّفنا على تاريخنا الرّائع فتنمو عندئِذٍ الرّوحُ الجماعيّة فينا الّتي ستساعدُنا في الحفاظ على شُعلةِ سورية وعلى مواجهة المستقبل.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى