معارك طواحين الهواء وذاكرة سايكس-بيكو

في وقتٍ خطيرٍ يتعرض فيه لبنان لأعتى الاعتداءات على أرضه وشعبه، فتتلقى سيادته الضربة تلو الأخرى، ويُهدَّد استقلاله ووحدته، يسعى وزير الخارجية في حكومته، بالتنسيق مع وزارة الثقافة، إلى تسجيل إنجاز وهمي عبر تزوير التاريخ وتغيير هوية عدد من أدباء المهجر: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وأمين الريحاني، وإيليا أبو ماضي، الذين كرّست لهم بلدية نيويورك لوحةً تذكارية تكريمًا لهم، كما لعدد من المهاجرين الأوائل. فتحرّكت الماكينة الدبلوماسية للاعتراض على تسميتهم بالأدباء السوريين، وأصدر الوزير رجّي “توجيهاته إلى سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، وقنصل لبنان العام في نيويورك طلال ضاهر، لإجراء الاتصالات اللازمة لتصحيح النص، بما ينسجم مع الحقائق التاريخية والثقافية والجغرافية المعروفة، ويؤكد الانتماء اللبناني الأصلي والأصيل للأدباء.”
في وقتٍ يسقط فيه الشهداء، من بينهم الأطفال والشيوخ والنساء، يوميًا على معظم الأراضي اللبنانية، يتلهّى وزير الخارجية بلوحةٍ في حديقة صغيرة في أميركا، ذكّرته بأن التاريخ عنده يبدأ باتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت المنطقة حصصًا تروي غليل القوى الكبرى وتدعم مطامعها. ربما لأن الحديث عن تغيير الخرائط في المنطقة أعاد إلى ذاكرته مرحلة ما بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية وتقسيم تركتها على الدول المنتصرة في الحرب، عبر رسم حدود جديدة مصطنعة.
إن الانعزالية لا يمكن إسقاطها على حقائق الجغرافيا والثقافة الجامعة لهذا المشرق، الذي شكّل على الدوام وحدةً سياسيةً اجتماعيةً اقتصاديةً ثقافيةً، كان الأدباء المراد تغريبهم عن هذه الهوية خيرَ من أسهم في إبرازها حقيقةً ماثلةً للعيان. وهي أيضًا حقيقة لم يغفلها الغرب في دراسة هذه البلاد بشكل موضوعي وعلمي. وما تسميتهم بالأدباء السوريين إلا تسميةً مستقاة من هذا الفهم، الذي لا يعارضه إلا الذين يخلطون بين السياسة والاجتماع، حاملو سردية عقيمة ترى لبنان منفصلًا عن واقعه، لأن أصحابها لا يقرأون، ولم يقرأوا، هؤلاء الأدباء، ولا يعرفون منهم إلا الأسماء.
إذا أراد الوزير المتنطّح للتغيير إكمال مهمته، فعليه أن يحرق كتب هؤلاء الأدباء، لأن كلمة “سورية” و”سوري” مذكورة فيها بكثرة. فليُعِدّ المحارق أيضًا في كل المكتبات الكبرى في أرجاء العالم، وليسكت أصوات الباحثين والمؤرخين. عندها فقط يكون قد انتصر في معاركه ضد طواحين الهواء.
إن محاولة إعادة صياغة هوية أدباء المهجر بمنطق سياسي ضيّق ليست دفاعًا عن لبنان، بل هي تشويهٌ للتاريخ واختزالٌ للثقافة في نزاعات صغيرة ومواقف مضخّمة. وكان من الأجدى بهذه الجهود أن توضع في مكانها المناسب للدفاع عن كرامة لبنان وسيادته، فيما يمر بواحدة من أدق المراحل في تاريخه.

