لن يُطوى الملف… حتى يعود آخر الأسرى وآخر الشهداء

لن يُطوى الملف… حتى يعود آخر الأسرى وآخر الشهداء

ثمة جروحٌ في جسد الأوطان لا يبرئها الزمن، وثمة غيابٌ لا يزيده الصمت إلا حضورًا في ضمير الوطن.

إن قضية الأسرى والمفقودين اللبنانيين لدى الاحتلال “الإسرائيلي” ليست مجرد ملف إنساني أو قضية تفاوض، بل هي قضية سيادة وكرامة وطنية، وحقٌ ثابت لكل عائلة في معرفة مصير أبنائها، ولكل شهيد في أن يعود إلى تراب وطنه. إنها حكاية أمهاتٍ أنهكهن الانتظار، ووطنٍ يرفض أن تكتمل سيادته فيما لا يزال أبناؤه بين غياهب السجون أو رهن احتجاز الجثامين.

لقد أعادت عودة جثمان العسكري في الجيش اللبناني باتريك أنترانيك بكاريان إلى أرض الوطن في 15 تموز 2026، بعد احتجاز جثمانه منذ استشهاده في 19 نيسان الماضي، فتح هذا الجرح الوطني من جديد، مؤكدة أن ملف الأسرى والمفقودين لا يزال مفتوحًا، وأن سياسة احتجاز الجثامين وإخفاء المصير تشكل انتهاكًا صارخًا لكل القوانين والأعراف الإنسانية والدولية.

إن هذه القضية لا يجوز أن تبقى رهينة المبادرات الموسمية أو تحركات العائلات وحدها، بل تستوجب موقفًا رسميًا لبنانيًا موحدًا، يفعّل كل المسارات السياسية والدبلوماسية والقانونية، ويضع هذا الملف أمام الأمم المتحدة، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، وسائر الهيئات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، حتى كشف مصير جميع الأسرى والمفقودين واستعادة جثامين الشهداء المحتجزة.

وفي صلب هذه القضية يقف عميد الأسرى اللبنانيين يحيى محمد سكاف، الذي فُقد خلال عملية الساحل في 11 آذار 1978، ولا يزال مصيره مجهولًا حتى اليوم، رغم ما تؤكده عائلته وجهات لبنانية معنية بالقضية من شهادات ووثائق تشير إلى أسره حيًا. كما لا يزال مصير أكثر من أربعة وعشرين مفقودًا لبنانيًا مجهولًا، في قضية لا يجوز أن تسقط بالتقادم أو تُختزل بالأرقام.

إن استعادة جثمان الشهيد باتريك بكاريان يجب ألا تكون نهاية قصة، بل بداية مرحلة جديدة من العمل الجاد لإعادة فتح هذا الملف بكل أبعاده، وصولًا إلى معرفة الحقيقة كاملة، واستعادة جميع الأسرى والمفقودين وجثامين الشهداء.

فلا سيادة تكتمل، ولا عدالة تُنجز، وما زال في كل بيتٍ لبناني مقعدٌ ينتظر صاحبه، وأمٌ تنتظر خبرًا، ووطنٌ ينتظر أبناءه.

لن يُطوى هذا الملف، ولن يهدأ ضمير الوطن، حتى يعود آخر أسير، ويُعرف مصير آخر مفقود، ويُوارى آخر شهيد في تراب وطنه. ذلك عهدٌ لا يسقط بالتقادم، ولا يملك أحدٌ حق التنازل عنه.

عمدة الإعلام 18-7-2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى